الشيخ المحمودي

35

نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة

فلم يقم أحد واشتدّ بالناس العطش وهم صيام ثم قال لعليّ عليه السلام : سر مع هؤلاء السقاة حتّى ترد بئر ذات العلم وتستقي وتعود إنشاء اللّه . فخرج عليّ قائلا : أعوذ بالرحمان أن أميلا * من عزف جنّ أظهروا تأويلا وأوقدت نيرانها تغويلا * وقرعت مع عزفها طبولا قال : فداخلنا الرعب فالتفت عليّ إلينا وقال : اتّبعوا أثري ولا يفزعنّكم ما ترون وتسمعون فليس بضائركم إنشاء اللّه ، ثم مضى فلما دخلنا الشجر فإذا بنيران تضطرم بغير حطب وأصوات هائلة ورؤس مقطعة لها ضجّة وهو يقول : اتّبعوني ولا خوف عليكم ولا يلتفت أحد منكم يمينا ولا شمالا ، فلمّا جاوزنا الشجرة ووردنا الماء فأدلى البراء بن عازب دلوه في البئر فاستقى دلوا أو دلوين ، ثم انقطع الدلو ، فوقع في القليب والقليب ضيّق مظلم بعيد القعر ، فسمعنا من أسفل القليب قهقهة وضحكا شديدا ، فقال عليّ : من يرجع إلى عسكرنا فيأتينا بدلو ورشاء ؟ فقال أصحابه : لن نستطيع ذلك ، فأتزر [ عليّ ] بمئزر ونزل في القليب وما تزداد القهقهة إلّا علوا ، وجعل ينحدر في مراقي القليب إذ زلّت رجله فسقط فيه ، فسمعنا وجبة شديدة واضطرابا وغطيطا كغطيط المخنوق ثم نادى ؛ اللّه أكبر اللّه أكبر أنا عبد اللّه وأخو رسول اللّه هلمّوا قربكم فأفعمهما « 1 » وأصعدها على عنقه شيئا فشيئا ومضى بين أيدينا فلم نر شيئا فسمعنا صوتا : أيّ فتى ليل أخي روعات * وأيّ سبّاق إلى الغايات للّه درّ الغرر السادات * من هاشم الهامات والقامات مثل رسول اللّه ذي الآيات * أو كعليّ كاشف الكربات كذا يكون المرء في الحاجات

--> ( 1 ) القرب : جمع القرّبة : جلد يجعل وعاءا لماء الشرب . وأفعمها : أملأها .